القارئ الذي رمز إلى اسمه بالدكتور حسن يسألني عن الفرق بين الأدب والثقافة، فأجيبه بأن الأدب شكل والثقافة محتوى أو ما كان القدامى يسمونه بالمعاني تمييزا لها عن المباني، وشيخ النقاد العرب الجاحظ يقول في كتابه الحيوان(*) "وذهب الشيخ -يعني الشيباني- إلى استحسان المعنى، والمعاني مطروحة على الطريق يعرفها العربي والعجمي والبدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء وفي صحة الطبع وجودة السبك فإنما الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير" ولهذا فرق النقاد مثلا بين الشعر والنظم، فالنظم ليس شكلا وإنما مجموعة من المعاني والمعلومات كألفية ابن مالك، والنظم تقريري بينما الشعر تصويري، وحين نتحدث عن التصوير فإننا نعني الاستعارة والكناية والتمثيل وأبواب البلاغة الأخرى كالطباق أو التعارض، ولك أن تتأمل هذا البيت للمتنبي:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي
وأنثني وبياض الصبح يغري بي
فهنا ثلاثة طباقات، أزور مثلا ضد أنثني والسواد ضد البياض والشفاعة ضد الإغراء، وحين نتحدث عن نقد عمل ما نجد أن النقد الأدبي يُعنى بالشكل بينما النقد الثقافي يعنى بالمضمون، وهناك أعمال تنتمي إلى الثقافة ولا تنتمي إلى المضمون، ومن ذلك كتاب البخلاء للجاحظ أما كتابه الحيوان فهو مزيج بين الأدب والثقافة وقد درسته في الكوليج دي فرانس على يد المستشرق اندري ميكيل، وأنا مارست النقد الثقافي والنقد الأدبي، وكتابي "معنى المعنى وحقيقة الحقيقة" مزيج بين هذين النقدين.
*نقلا عن جريدة "الرياض".
(*)الجزء الثالث صفحة 131-132 طبعة دار الفكر المنحولة عن طبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر، تحقيق عبد السلام هارون.